سعيد حوي
209
الأساس في التفسير
يريد مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرم ذلك ، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ حل بعضها ، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها ، أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه قبل الفعل ، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ثم رفع عنهم القتل ؛ كيلا يستأصلهم القتل ، وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدقونه » . وفي الصلة بين قوله تعالى ما نَنْسَخْ وبين ما قبلها زيادة على ما ذكرنا ، ما قاله الألوسي : « ومناسبة الآية لما قبلها أن فيه ما هو من قبيل النسخ ؛ حيث أقر الصحابة رضي الله عنهم مدة على قول ( راعنا ) وإقراره صلى الله عليه وسلم على الشئ منزل منزلة الأمر به والإذن فيه ثم إنهم نهوا عن ذلك ، فكان مظنة لما يحاكي ما حكي في سبب النزول ، أو لأنه تعالى لما ذكر أنه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ كاد ترفع الطغام رءوسها وتقول : « إن من الفضل عدم النسخ . . فأتى سبحانه بما ينكس رؤوسهم ويكسر ناموسهم ويشير إلى أن النسخ من جملة فضله العظيم ، وجوده العميم ، أو لأنه تعالى لما أشار إلى حقيقة الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا ، عقبه بما يبين سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه فليتدبر » اه . وفي حكمة النسخ يقول صاحب الظلال : « فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال في فترة الرسالة هو لصالح البشرية ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها » اه . وسنعقد للنسخ فصلا بعد أن ننهي عرض المقطع ولننتقل إلى آية أخرى في الفقرة وهي : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . ( أم ) في اللغة العربية تأتي متصلة ، وتأتي منفصلة ، تأتي متصلة إذا سبقت بهمزة استفهام وجاءت حرفا معادلا له تقول ( أجاز زيد أم خالد ) وتأتي منفصلة إذا لم تسبق بشيء من هذا لفظا أو تقديرا ، وتكون في هذه الحالة حرف إضراب تقديره ( بل ) قال الألوسي : جوز في ( أم ) هذه أن تكون متصلة وأن تكون منقطعة ، ثم أخذ يوجه الاتصال والانقطاع ، وذكر كيف أن بعضهم جزم بالانقطاع ، والألوسي احتمل الاتصال لسبق ( أم ) بقوله تعالى أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . ورده بعضهم لأن الخطاب في الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بينما الخطاب في الآية الثانية .